مجمع البحوث الاسلامية

288

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

- كما هو المعمول به في القرآن في التّبشير والإنذار ، لاحظ : « ب ش ر » : بشّر ، و « ن ذ ر » : أنذر - بعكس الآيات قبلها وبعدها حيث بدأ فيها بالكافرين - اهتماما بشأن المؤمنين ليختم الكلام بهم وتنبيها بأنّهم الواصلون إلى مغزى الخلقة ، وهو العرفان والطّاعة ، دون الكافرين الّذين كسبوا الخذلان والضّلالة . 3 - جاء فيها - بدل وصفهم في تلك الآيات بالإيمان أو الكفر ، وبالصّلاح أو الظّلم - التّعبير ب ( حرث الدّنيا ) تنبيها بأنّ النّاس في حياتهم الدّنيا بمنزلة الحارث ، وأنّ ما يكتسبون فيها فهو حرث لهم ، والحرث هو حاصل عمل شاقّ مستمرّ طول السّنة ، يغتنمها الحارث عند الحصاد في أخريات السّنة . وما أحسن الشّريف الرّضيّ حيث قال : « هذه استعارة ، والمراد بحرث الآخرة والدّنيا كدح الكادح لثواب الآجلة ، وحطام العاجلة ، فهذا من التّشبيه العجيب والتّمثيل المصيب ، لأنّ الحارث المزدرع إنّما يتوقّع عاقبة حرثه ، فيجني ثمرة غراسه ، ويفوز بعوائد ازدراعه » . وقال الطّوسيّ - ونحوه الطّبرسيّ - : « شبّه الطّالب بعمله الآخرة بالزّارع في طلب النّفع لحرثه ، وكذلك الطّالب بعمله نفع الدّنيا » . وقال الزّمخشريّ : « سمّى ما يعمله العامل ممّا يبغي به الفائدة ، والزّكاء حرثا على المجاز » . وقال ابن عطيّة : « والحرث في هذه الآية عبارة عن السّعي والتّكسّب والإعداد ، ولمّا كان حرث الأرض أصلا من أصول المكاسب أستعير لكلّ متكسّب » . وقال الفخر الرّازيّ : « الآية دالّة على أنّ منافع الآخرة والدّنيا ليست حاضرة بل لا بدّ في البابين من الحرث ، والحرث لا يتأتّى إلّا بتحمّل المشاقّ في البذر ثمّ التّسقية والتّنمية ، ثمّ الحصد ، ثمّ التّنقية . فلمّا سمّى اللّه كلا القسمين حرثا علمنا أنّ كلّ واحد منهما لا يحصل إلّا بتحمّل المتاعب والمشاقّ . . . » . وقال البيضاويّ : « حرث الآخرة : ثوابها ، شبّهه بالزّرع من حيث إنّه فائدة تحصل بعمل الدّنيا ، ولذلك قيل : الدّنيا مزرعة الآخرة » . وقال النّيسابوريّ : « سمّاه حرثا تشبيها للعامل الطّالب لثواب الآخرة أضعافا مضاعفة بالزّارع الّذي يلقي البذر في الأرض طلبا للزّيادة والنّماء - إلى أن قال - وفي زيادة لفظ « الحرث » فائدة أخرى ، وهي أن يعلم أنّ شيئا من القسمين لا يحصل إلّا بتحمّل المتاعب والمشاقّ » . وقال أبو السّعود : « الحرث في الأصل : إلقاء البذر في الأرض ، يطلق على الزّرع الحاصل منه ، المتضمّن لتشبيه الأعمال بالبذور ، ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطرق الاستعارة المبنيّة على تشبيهها بالغلال الحاصلة من البذور . . . » . وقال الطّباطبائيّ : « الحرث : الزّرع ، والمراد به نتيجة الأعمال الّتي يؤتاها الإنسان في الآخرة على سبيل الاستعارة ، كأنّ الأعمال الصّالحة بذور ، وما تنتجه في الآخرة حرث » . وقال مكارم الشّيرازيّ : « إنّه لتشبيه لطيف وكناية جميلة ، فجميع النّاس مزارعون ، وهذه الدّنيا مزرعة لنا ،